محمود محمد الحنطور
20
النسخ عند الفخر الرازي
أن جابه أقرانه وأعداءه ، والفرق المختلفة ، دون غلو أو شطط ، وكان أبرزها الكرامية السابق ذكرهم . ومن كلام الفخر الرازي في وصيته لتلميذه إبراهيم بن أبي بكر الأصفهاني « ولقد اختبرت الطرق الكلامية ، والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوى الفائدة التي وجدتها في القرآن لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلالة للّه تعالى ، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات ، وما ذاك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى في تلك المضايق العميقة ، والمناهج الخفية ، فلهذا أقول : كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده ووحدته ، وبراءته من الشركاء في القدم والأزلية والتدبير والفعالية ، فذلك هو الذي أقول به وألقى اللّه به » « 1 » . مما سبق من مدح وقدح ، ومناظرات واعترافات آخرها ما ذكره لتلميذه ، نستشف رجوع الرازي الصادق إلى طريق اللّه القويم وعقيدة المسلمين التي لا تقبل جدالا ولا مواربة ، فشهد الرازي على نفسه بعد أن جرّب المناهج والطرق أن العقل قاصر مهما أوتى من فطنة وذكاء ، والقاصر لا يستطيع أن يدرك كمال اللّه تعالى وعظمته إلا بالخضوع له والتسبيح بحمده وعبادته حق العبادة ، وأن اللّه تعالى الخالق والمعبود بحق ، فالرجوع إلى الحق أحق ، والاعتراف بالتقصير بداية تصحيح الخطأ ، والوقوف على الصراط المستقيم ، وهذا سبيل الصادقين مع أنفسهم من العلماء الذين انتفعوا بما علموا ، ووقفوا عندما لم يعلموا ، فقد جدد الرجل العهد مع اللّه تعالى على أن القرآن هو أساس كل حكمة ، وعنوان كل فائدة ، أما مناهج هؤلاء
--> ( 1 ) الذهبي : تاريخ الإسلام 43 / 221 .